محمد العربي الخطابي
374
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
ومنها ثوان - وهي مثل الإنضاج والتّليين والتّحليل والتفتيح وغير ذلك من الأفعال التي سنعدّدها عند رسمنا طبائع الأدوية الفاعلة لذلك - ومنها ثوالث - وهي التي تختصّ بأعضاء ما . وينبغي أولا أن نقول كيف تفعل في الأبدان هذه الأفعال وتنفعل عنها الأبدان هذه الانفعالات ، والوقوف على ذلك يكون بالوقوف على الجهة التي بها يغتذي المغتذي . فنقول : إنّه قد تبيّن في العلم الطبيعي أن الاغتذاء إنّما يكون أولا للأعضاء المتشابهة الأجزاء وذلك بأن يستحيل الغذاء أولا على مراتبه في الجسم المغتذي إلى رطوبة شبيهة بالرطوبة المبثوثة في الأعضاء المشابهة فتختلط بها على جهة ما تختلط الأشياء الرطبة بعضها ببعض ، فإنّه ليس هاهنا وجه تخلف به الطباع بدل ما تحلّل في جميع أقطار العضو غير هذا الوجه - أعني الاختلاط - فإذا اختلطت بتلك الرطوبة استنفعت بها وشبّهتها بها الطباع - أعني أنها تجعل لها قواما شبيها بقوام العضو . ويتبيّن هنالك أنّ الفعل إنّما يكون بالطّبخ ، والطّبخ بالحرارة التي في المغتذي هي أحد أجزاء الحيوان المتشابهة لا على أن الحرارة هي المحرّك الأول في هذا الفعل بل النّفس الغاذية ، فإنّ أفعال الحرارة ليست محدودة ولا مرتّبة نحو غاية ما . وإذا كان هذا كلّه كما وضع فقد ظهر من قرب كيف تقول في الغذاء إنّه معتدل وفي الدواء أيضا ، وكيف تقول في كلّ واحد منهما إنّهما خارجان عن الاعتدال ، وإن كان الاعتدال أولى أن ينسب إلى الغذاء كما أنّ الخروج عن الاعتدال أولى أن ينسب إلى الدّواء ، وذلك لأنّ الغذاء الذي في قوّته واستعداده أن يستحيل عن الطباع إلى رطوبة شبيهة بالرطوبة الأصلية التي في الأعضاء المتشابهة الأجزاء وإلى حرارة غريزية شبيهة بالحرارة التي في المغتذي حتى تكون هي هي من جميع الوجوه وذلك في المعتدل المزاج أو في القريب من المعتدل قيل في ذلك الغذاء إنه معتدل كالحال في لباب خبز البرّ المحكم الصنعة ولحوم الدجاج الفتايا فكان مثل هذه الأغذية إنّما تفيد الجسم كمية أجزاء هي هي بعينها الأجزاء التي تحلّلت . وأما الاعتدال لما تحلّل من الدواء فهو قريب من هذا المعنى لكن يخالفه في أنه ليس فيه قوة في أن يخلف أجزاء متساوية في الكمية لما تحلّل من بدن المغتذي ولذلك ليس يمكن أحد أن يغتذي بالدواء المعتدل - أعني أن يستعمل منه مقدار ما يستعمل من الغذاء - بل معنى قولنا في الدواء إنه معتدل أي إذا تناول الحيوان منه مقدارا غير